تصيُّد الأخطاء… حين نُحاكم التاريخ بلحظة

بقلم /محمد الشافعى

في مشهدٍ بات مألوفًا، تحوّلت واقعة عابرة إلى ساحة محاكمة مفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب تداول مقطع مصوَّر للفنان الكبير محمد صبحي أثناء انفعاله على أحد السائقين بعد انتهاء تكريمه. لم تمضِ ساعات حتى تصدَّر الهجوم، وارتفعت نبرة الإدانة، وكأن تاريخًا طويلًا من العطاء يمكن شطبه بلحظة غضب.

الواقعة، كما اتضحت تفاصيلها لاحقًا، جرت في ظروف إنسانية معقدة؛ ازدحام شديد من الصحفيين والجمهور، إرهاق بدني، ظروف صحية معلومة، وكِبر سن، إضافة إلى تأخر السائق، الذي تبيَّن لاحقًا أنه لم يكن سائقه الشخصي، وأن الفنان لم يكن يعلم أنه كان يجري خلف السيارة. ومع ذلك، لم تشفع هذه الملابسات في تهدئة موجة الهجوم.

المقلق في الأمر ليس الواقعة ذاتها، بل رد الفعل المجتمعي تجاهها. نحن أمام ظاهرة متكررة تُعرف بـ«تصيّد الأخطاء»، حيث يتحول الخطأ غير المقصود، وتحت ضغط إنساني واضح، إلى دليل إدانة أخلاقي شامل. في لحظة، يُختزل الإنسان في تصرف واحد، وتُنسف سنوات من القيم والمبادئ التي جسّدها قولًا وفعلًا.

محمد صبحي ليس مجرد فنان؛ هو حالة ثقافية وفكرية أسهمت في تشكيل وعي أجيال، وارتبط اسمه بقضايا المجتمع، والدفاع عن القيم الإنسانية، والالتزام الأخلاقي في الفن. الاختلاف أو النقد حق مشروع، لكن العدالة تقتضي التمييز بين النقد الموضوعي، والهجوم الذي يُغذّيه الغضب الجمعي وسرعة الأحكام.

إن أخطر ما نواجهه اليوم هو فقدان ميزان الإنصاف. فالمجتمع الذي لا يغفر الزلة، ولا يراعي السياق، ولا يقدّر العطاء، هو مجتمع يقتل رموزه بيديه. وليس المطلوب تبرير الخطأ أو تزيينه، بل فهمه في إطاره الإنساني الطبيعي، فالكمال ليس صفة بشرية.

نحن بحاجة إلى ثقافة أخلاقية أكثر نضجًا، تضع الإنسان في سياقه الكامل، لا في لقطة مجتزأة. ثقافة تفرّق بين النقد والهدم، وبين المحاسبة والشماتة. فالهجوم السهل لا يصنع وعيًا، وتصيد الأخطاء لا يبني مجتمعًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل نريد مجتمعًا يُنصف من قدّموا، أم جمهورًا لا ينتظر إلا السقوط ليُصفّق؟

Related posts